ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
79
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وحذفها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر ، كأنهم قالوا : فما ذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت ؟ فقال : سوف تعلمون ، فوصل تارة بالفاء ، وتارة بالاستئناف ؛ للتفنن في البلاغة ، وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف ؛ وهو قسم من أقسام علم البيان تتكاثر محاسنه ، فاعرفه إن شاء اللّه تعالى . الضرب الثاني : الاكتفاء بالسبب عن المسبب ، وبالمسبب عن السبب : فأما الاكتفاء بالسبب عن المسبب فكقوله تعالى : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين . ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر كأنه قال : وما كنت شاهدا لموسى وما جرى له وعليه ولكنا أوحيناه إليك ، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ، ودل به على المسبب الذي هو الوحي ، على عادة اختصارات القرآن ؛ لأن تقدير الكلام : ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى موسى إلى عهدك قرونا كثيرة فتطاول على آخرهم - وهو القرن الذي أنت فيهم - العمر : أي أمد انقطاع الوحي ، فاندرست العلوم ، فوجب إرسالك إليهم ، فأرسلناك ، وعرفناك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى ؛ فالمحذوف إذا جملة مفيدة ، وهي جملة مطولة دل السبب فيها على المسبب . وكذلك ورد قوله تعالى عقيب هذه الآية أيضا : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون فإن في هذا الكلام محذوفا لولاه لما فهم ، لأنه قال : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك وهذا لا بد له من محذوف حتى يستقيم نظم الكلام ، وتقديره : ولكن عرفناك ذلك وأوحيناه إليك رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ؛ فذكر الرحمة التي هي سبب إرساله إلى الناس ، ودل بها على المسبب الذي هو الإرسال . وأما حذف الجملة غير المفيدة من هذا الضرب فنحو قوله تعالى حكاية عن مريم عليها السلام : قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا . قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا